اسماعيل بن محمد القونوي
46
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
التفصيل جار في الأفعال الحسنة الاختيارية المعبر عنها بشرح صدره للإسلام حتى قال عليه السّلام في بيان علامة ذلك الأحوال الفخام « الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والتأهب للموت قبل نزوله » . قوله : ( بسبب غيهم وانهماكهم في التقليد وإعراضهم عن النظر الصحيح ) بيان سبب الختم الذي هو سبب عدم نفع الإنذار وهذا وإن كان سببا لعدم نفع الإنذار لكنه سبب بعيد له وأيضا هذا مع كونه بعيدا سبب ظاهري والختم الذي فعل اللّه تعالى سبب حقيقي وشتان ما بينهما ( فيجعل قلوبهم ) عطف على يحدث أي فإن يجعل قلوبهم والتعيير به أيضا لما مر ولما سيجيء والفاء للسببية ( بحيث لا ينفذ فيها الحق ) لاستيلاء الملكة المذكورة فإذا كانت القلوب بالحيثية المذكورة كانت الأرواح متقاعدة عن الإدراك لأن القلب محلها أو متعلقها ( وأسماعهم ) جمعها مع إفراده في النظم لأنه في النظم في حكم الجمع كما سيجيء بيانه ( تعاف استماعه ) أي تكرهه « 1 » والأولى واستماعهم سد عن الإصاخة « 2 » إلى الحق لأنه يناسب الختم دون ما ذكره وأيضا التفريع المذكور يتفرع على ما ذكرناه دون ما اختاره ( فتصير ) أي القلوب والأسماع ( كأنها مستوثق منها ) بيان للمناسبة بين ما أريد به وبين معناه الحقيقي ( بالختم ) أي بإحداث النقش عليه بحيث لا يطلع عليه غيره فلو قال فتصير كأنها مختومة لكان أخصر وأوضح وفي كلامه إشارة إلى أن سمعهم معطوف على القلوب داخل في حكم الختم لقوله تعالى : وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ [ الجاثية : 23 ] وللوفاق على الوقف عليه لا على قلوبهم وإعادة الجار سيجيء سرها والجامع إدراك كل منهما من جميع الجوانب ( وأبصارهم ) عطف على أسماعهم أو على قلوبهم أي وإنما المراد أن يحدث فيجعل أبصارهم بحيث ( لا تجتلي لها الآيات ) أي لا تنظر إليها مجلوة مكشوفة يقال اجتلبت العروس إذا نظرت إليها مجلوة مكشوفة والمعنى لا تجتلي أعينهم الآيات ( المنصوبة لهم في الأنفس والآفاق ) فالفاعل الأعين والمفعول الآيات والضمير في لها راجع إلى الأنفس أي لا تعرضها على أنفسهم مجلوة مكشوفة بل تعرضها عليها مستورة بغطاء الشبهة والإعراض ففيه استعارة مكنية وتخييلية والمراد بالآيات الآيات العقلية الكونية إذ الأنفس والآفاق يناسبها لا السمعية ولا الأعم منهما وجه التخصيص أنها هي الأصل فيعلم حال الأدلة السمعية منها بدون العكس ( كما تجتليها ) أي تعرضها ( لها ) أي النفوس المستبصرين فحذف لها هنا لذكره أولا والظاهر من التشبيه أن أعينهم تعرض الآيات على أنفسهم لكن لا كعرض ( أعين المستبصرين ) إياها على أنفسهم ولا يخفى ضعفه إذ المقصود فسادها رأسا قوله ( فتصير كأنها غطي عليها ) بدل من قوله لا تجتلي الذي هو
--> ( 1 ) إسناد الكراهة إليها مجاز . ( 2 ) وما قاله قدس سره من أن كراهة الاسماع الحق وبعدها عن الإصغاء إليه وكراهتها لاستماعه يدل على عدم نفوذ الحق فيها لأجل هيئة حادثة فيها مانعة من النفوذ فضعيف إذ كراهة الشيء بعد الوصول والمراد سد تلك المشاعر وقد صرح به المص في قوله تعالى : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ الآية .